عبد الكريم الخطيب
443
التفسير القرآنى للقرآن
وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ » . . إنه يكشف عن وجه من وجوه العظة والاعتبار . . فهؤلاء الذين سكنوا مساكن القوم الظالمين الذين هلكوا ، وورثوا أرضهم وديارهم وأموالهم . . ألم يهد لهم وينكشف لأبصارهم أو بصائرهم أن اللّه سبحانه وتعالى لو شاء لأخذهم بذنوبهم كما أخذ القوم الظالمين قبلهم بذنوبهم ؟ ولساق إليهم نذر الدّمار والهلاك كما ساقها إلى الهالكين من قبلهم ؟ فما حجتهم على اللّه حتى يدفع عنهم هذا البلاء الذي هم جديرون بأن يؤخذوا به ؟ وما وجه فضلهم على من أهلكوا قبلهم حتى لا يصيروا إلى مثل مصيرهم ، وقد فعلوا فعلهم ، وأخذوا طريقهم ؟ إنه لا لحجة لهم على اللّه ، ولا لفضل ظاهر فيهم ، أن عافاهم اللّه من هذا البلاء ، وأن صرف عنهم عذابه ، ولكن لمقام رسول اللّه بينهم ، ولفضل اللّه على نبيه الكريم ألا يعذب قومه وهو فيهم ، كما وعده ربّه هذا الوعد الكريم : « وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » ( 33 : الأنفال ) وهذه خصيصة لمحمد صلوات اللّه وسلامه عليه ، من بين رسل اللّه جميعا ، ألّا يرى عذاب السّماء ينزل على قوم هو منهم ، أو يصيب بلادا هو فيها . . وفي قوله تعالى : « وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ » إشارة إلى أن العذاب الذي سيقع بهؤلاء الظالمين ليس عذابا ظاهرا ، ينزل من السماء ، أو يخرج من الأرض ، ولكنه بلاء خفىّ ، يغشى قلوب الظالمين ، فيحجب عنها الهدى ، فلا تتهدّى إليه ، ويصرف عنها الخير ، فلا تعرف له وجها . . وفي النظم القرآني حذف دلّ عليه المقام ، والتقدير : « أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ » ( وأخذناهم بما أخذنا به القوم الظالمين قبلهم من بلاء ونكال ، ولكنا لا نفعل بهم هذا ، تكريما للنبي الكريم ، « وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ » كلام اللّه ، ولا ينتفعون به )